ليس المقصود بثورة الجزائر هنا تلك الثورة الطويلة الأمد التي خاضها الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، ونال على إثرها الاستقلال، بعد أن دفع ثمناً غالياً، زاد على المليون شهيد، بل المقصود ثورة الجزائريين التي بدأت بعد الفوز الساحق لجبهة الإنقاذ الإسلامية في الانتخابات التي أجريت في 26. 12. 1991 ، حيث حصلت الجبهة على الأغلبيَّة الساحقة، وحصدت أكثر من 80٪ من مقاعد البرلمان الجزائري.
لم يُسمح للإسلاميين بالوصول إلى السلطة عن أيِّ طريق، حتَّى عن طريق صناديق الاقتراع التي يتبجح العالم المتحضر الحر بأنَّه لا يعترف إلا بها وانتهت المسألة بإعلان الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد استقالته بعد الانتخابات بأيام معدودة، وإسناد السلطة إلى المجلس الأعلى للدولة الذي تُشكِّل الحثالة العسكريَّة القوَّة الرئيسة فيه – وأُصِرُّ على تسميتها الحثالة لأنَّها السبب الرئيس في كلِّ الخراب والدمار الذي حدث في العالمين العربي والإسلامي في العصر الحديث- واتخذ المجلس قراره بإلغاء الانتخابات وإعلان حالة الطوارئ. وحلِّ حزب جبهة الإنقاذ ومنع أعضائه من النشاط السياسي.
وقد قوبلت هذه القرارات بمظاهرات عارمة وحركات احتجاجيَّة كادت تقتلع ((حثالة العسكر)) من جذورها، وأخذ التحرك الشعبي على امتداد أرض الجزائر طولاً وعرضاً شكلاً سلمياً، حيث كان الجزائريون يغنُّون ويهتفون. وردَّت السلطات بإلقاء القبض على الآلاف من الناشطين وزجتهم في السجون، ولا سيَّما ناشطي الحزب وقادته.
لكن – وكما تقول الثقافة الشعبيَّة – ليس هناك سجون يمكن أن تتسع لكلِّ الناس، ومهما تزايد عدد المحتجزين سيبقى عدد المحتجين أكبر، خاصَّة وأنَّ الاحتجاجات كانت ضد الظلم والقهر والفساد، قبل أن تكون بهدف إحقاق الحق الذي عُبِّر عنه خير تعبير في صناديق الاقتراع.
وقع جنرالات الجزائر الحاكمون الفعليُّون في حَيْصَ بيْص، واستعانوا بخبرات ومخابرات الشرق والغرب والشياطين والجن الأزرق كي يُجْهِزوا على هذا الحراك ويخمدوا الثورة، لكنَّ هؤلاء جميعاً لم تتفتق عبقرياتهم عن حلٍّ ناجع، إلى أنْ جاءهم مدد الخبرات من بلاد الشام.
يُقال – وهنا مربط الفرس – إنَّ الحلَّ الإنقاذي لم يأتهم إلا من أجهزة الاستخبارات السوريَّة صاحبة الخبرة الهائلة في القضاء على ثورة الشعب السوري في نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات، وصاحبة الخبرة الهائلة في ترويض الجماهير الثائرة، وتدجين النزقين من الإسلاميين على نحوٍ خاص…
أرسل حافظ الأسد نخبة من رجال مخابراته، يرأسهم ضابط كبير ما زال حتى اليوم يقود سلطات النظام في قمعه ثورة الشعب السوري الحالية وإن كان ذلك من وراء الكواليس، وبعيداً عن وسائل الإعلام، ويؤسفني أنني لا أستطيع ذكر اسمه، لأنَّ معلوماتي في هذا السياق شخصيَّة تعتمد على السمع.
يُحكى أن فريق الخبراء المخابراتي السوري، اقترح على الجنرالات الجزائريين حلاً وحيداً أوحد، يتكون من بنود ثلاثة:
البند الأول هو ضرورة عسكرة الثورة وتسليحها، بغية تسويغ استعمال العنف المفرط ضدها، ويكمن البند الثاني في شيطنتها ودفعها نحو الميول الإرهابيَّة، بل وإلصاق صفتي العنف والإرهاب بها، لسحب البساط من تحتها لدى الرأي العام العالمي أولاً، ومن ثمَّ سحب الغطاء الشعبي الجزائري عنها، أما البند الثالث فيتجلى في إبعادها عن المدن الكبرى ومحاصرتها في الأرياف الفقيرة.
وهذا ما حصل فقد ترك الجيش الجزائري بعض مواقعه دون حراسة، أو لم يضع من يراقبها من الحرّاس إلا قلَّة قليلة، ممَّا أغرى بعض الشباب المتحمِّس الميَّال إلى العمل المسلح بمهاجمة هذه المواقع والحصول على الأسلحة (وهذا ما فعله النظام السوري غير مرة مع بدء العمليات القتاليَّة في سوريا).
وقد وجدت قوى النظام ضالتها عندما أعلن كثيرٌ من نشطاء الجبهة الإسلاميَّة وغيرها (بمؤازرة المجاهدين العائدين من أفغانستان) الجهاد ضد النظام الجزائري وأعوانه، والتجؤوا إلى الجبال الوعرة المسالك، ليبدؤوا من هناك عملية تحرير الجزائر بالطريقة التي اتبعها الثوار إبّان الثورة الجزائريَّة الكبرى ضدَّ الفرنسيين، وشكَّلوا ما أسموه ((الجيش الإسلامي للإنقاذ)).
تفرَّق فريق المخابرات السوري في الجبال الجزائريَّة، يقود كلُّ واحدٍ من عناصره عدداً من رجال المخابرات الجزائريَّة، فأرخى كلُّ فردٍ منهم لحيته، وغيَّر اسمه المستعار أصلاً، فأصبح يكنَّى بأبي عثمان السوري وأبي بكر الشامي وهكذا دواليك، وقام أتباعهم الأساسيين من عناصر المخابرات الجزائريَّة بفعل الأمر نفسه… فتشكلَّت بذلك مجموعات مسلحة سرعان ما انضمَّت إليها أعداد من الشباب الجزائريين الأغرار المتحمسين لدينهم والكارهين للسلطات المجرمة المُغتصبة للحقوق. فتشكلت بذلك دواعش ونصرات متعددة.
قام النظام الجزائري بتأمين الأوضاع في المدن الكبرى وطرق المواصلات الرئيسة، وترك القرى والأرياف الفقيرة الثائرة تحت سيطرة تلك الجماعات الإسلاميَّة التي تقود الجزء الأكبر منها رجالات المخابرات… وقد أفضى ذلك إلى تراجع شعبيَّة الثوار يوماً بعد يوم، وبصورة خاصة بعد أن ضاق الناس ذرعاً بدمويَّة الثوار وتطرفهم، وملُّوا الفقر والقلَّة والحرب التي لا تنتهي، وأصبحوا يتمنون أنْ يحكمهم الشيطان على أنْ يُخلصهم من الحرب.
استمرت الحرب في الجزائر أكثر من عشر سنوات وما تزال عقابيلها مستمرة حتى الآن، وراح ضحيتها أكثر من 200000 جزائري إضافة إلى خراب وخسائر هائلة في الاقتصاد والبنية التحتيَّة. وآلت الأمور إلى انتخاب رئيس مقعد أشبه بالرمَّة، وبقي نظام الحثالة العسكريَّة على حاله يمعن في نهب البلاد واستباحتها…
أرجو ألا يفهم أحدٌ من سياق كلامي أنَّني أدافع عن جبهة الإنقاذ الإسلاميَّة، فقول كلمة الحقِّ في توصيف الأنظمة العسكريَّة الحاكمة، وفي الحديث عن حِطَّة المواقف السياسيَّة العالميَّة تجاه ما يجري في العالمين العربي والإسلامي، لا يعني إطلاقاً تبييض صفحة بعض الإسلاميين المبرقعة بالسواد.
السياسة التي اتُبعت في الجزائر يكررها النظام السوري، فقد قام ضباطه ببيع البنادق والذخائر (بابا عمرو أنموذج مثالي) للثوار، فسرَّع تسليح الثورة، ثمَّ اخترع داعش وغيرها من التنظيمات المتطرفة، واخترق تنظيمات إسلاميَّة أخرى، عدا عن اختراقه لعدد من فصائل الجيش الحرِّ، ونجح إلى حدٍّ كبير في تحويل ثورة الحريَّة والكرامة إلى ثورة لبناء دولة الخلافة الإسلاميَّة.
زجَّ أعداداً كبيرة من النشطاء السلميِّين والمدنيِّين في السجون، وشرَّد أعداداً أخرى من الذين كانوا خارج سلطة يديه، ودفعهم إلى الهجرة خارج البلاد ليتابعوا ثورتهم على صفحات الفيس بوك.
أمَّن النظام دمشق والمدن الكبرى (نسبياً)، وأمَّن طريق المواصلات بين دمشق واللاذقيَّة، وترك أرياف المناطق الشماليَّة والشرقيَّة والأجزاء الفقيرة من مدينتي دمشق وحلب تعيش جحيماً من القصف المتواصل وجحيماً من الاقتتال بين الفصائل المتصارعة التي يوجِّه النظام إلى حدٍّ ما دفَّة الاقتتال فيها. وترك جزءاً كبيراً من المناطق الشرقيَّة بما فيها مدينة الرقة تحت سلطة داعش، حتى أصبحت الأغلبية من تلك المناطق تتمنى أن تخضع لأيِّ سلطة مهما كان نوعها على أن تتخلص من الداعشيين.
هل يتكرر في سوريا ما جرى في الجزائر؟ لقد علمتنا الثورة ألَّا نُكثر من التوقعات وألَّا نبالغ بالتفاؤل، لأنَّ كلَّ شيء ممكن. ففي ظلِّ هذا الصمت العالمي المريب، وفي ظلِّ تفاهة المواقف العربيَّة والإسلاميَّة، وضعف الراغبين فعلياً بمساعدة الشعب السوري في ثورته يكون حلم النظام السوري بتكرار السيناريو الجزائري قائماً، ولن يُفوِّت عليه فرصة تحقيقه إلا قوى الثورة الحقيقية التي تؤمن بالحرية والعدالة والمستقبل والدولة المدنيَّة، وتقاتل تحت راية علم الاستقلال حصراً.
غسان مرتضى - مسارات
آفاق

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق